زكاة الفطر … ثروة مهدرة

‏     زكاة الفطر عبادة من العبادات التوقيفية، وقربة من القربات العظيمات، افترضها الله على عبادة ‏‏وجعلها مرتبطة بالصوم تطهيراً لنفوسهم من الأدران، من الشح وغيره من الأخلاق الرديئة،‎ ‎وتطهيراً ‏لصيامهم مما قد يؤثر فيه وينقص ثوابه من اللغو والرفث ونحوهما ،وتكميلاً‎ ‎للأجر وتنمية ‏للعمل الصالح ، ‏ومواساة للفقراء والمساكين، وإغناء لهم من ذل الحاجة‎ ‎والسؤال يوم العيد‎. ‎

‏     ومع اقتراب نهاية شهر الصوم تبدأ الاستعدادات في الجمعيات الخيرية لاستقبال هذه الزكاة ‏لتوصيلها ‏إلى مستحقيها من الفقراء والمساكين، ونظراً لضخامة الكميات التي تصل إلى هذه ‏الجمعيات وسعي هذه ‏الجمعيات لتوزيعها في وقتها الشرعي قبل صلاة العيد، وحيث أن غالبية ‏أفراد المجتمع يخرجون هذه الزكاة ‏ليلة العيد مما يعني تراكم كميات كبيرة جدا في مستودعات هذه ‏الجمعيات مع ضيق في الوقت وتزاحم في ‏الأعمال فإن هذه الجمعيات سوف تجد نفسها أمام ‏خيارين: الأول يتمثل في فشل القائمين على هذه ‏الجمعيات في إخراج هذه الكميات الكبيرة من ‏زكاة الفطر في وقتها قبيل صلاة العيد وهذا مما يلحق الإثم ‏بهم ويفقد ثقة المتبرعين فيهم، أما ‏الخيار الثاني فيتمثل في مسارعة القائمين على هذه الجمعيات لإخراج ‏هذه الزكاة وإيصالها ‏لمستحقيها قبيل صلاة العيد، وفي هذا الخيار تبرز إشكالية أخرى تتمثل في صعوبة بل ‏واستحالة ‏ذلك أمام ضيق الوقت وتسارعه وضخامة الكميات المطلوب توزيعها، مع ضعف إمكانيات ‏هذه ‏الجمعيات مما يعني الفوضوية في توزيعها مما قد يجعل هذه الزكاة تصل إلى غير مستحقيها.‏

‏     وعلى افتراض توزيع هذه الكميات الكبيرة على مستحقيها في وقتها فإن هذه الشريحة من الفقراء ‏‏وبسبب رغبتهم في الحصول على المال وقلة وعيهم ونظرتهم القصيرة للأمور، وحرصهم على توفير ‏بعض ‏الكماليات غير الضرورية يبادرون ببيع نصيبهم من زكاة الفطر – والذي يصل أحياناً إلى ‏أكثر من عشرة ‏أكياس من الأرز تكفي لإعالتهم عاماً كاملاً – بمبالغ زهيدة جداً تصل في كثير ‏من الأحيان إلى ربع قيمتها ‏الحقيقية، وبعد فترة زمنية وجيزة يعودن مرة أخرى لهذه الجمعيات ‏طلبا لتزويدهم بالمواد الغذائية عامة والأرز ‏خاصة، وهذا يمثل عبئاً كبيرا على ميزانية هذه ‏الجمعيات حيث تصل المبالغ المخصصة لشراء الأرز أكثر من ‏ستمائة ألف سنويا، ولأجل هذا ‏الأمر كان لزاما على القائمين على هذه الجمعيات التفكير في آليات ‏للتعامل مع هذه الثروة ‏الكبيرة المتمثلة في زكاة الفطر بطريقة تضمن إخراجها في وقتها الشرعي وإفادة ‏الفقراء منها طوال ‏العام مما يغنيهم عن السؤال، ويخفف العبء على ميزانيات هذه الجمعيات، ومن ‏المقترحات في ‏هذا المجال وعلى سبيل المثال لا الحصر ما قامت به إحدى الجمعيات حيث طلبت من ‏المسجلين ‏بسجلاتها ممن هم مستحقون لزكاة الفطر أن يعينوا وكيلاً لهم يستلم جميع الكميات الواردة من ‏‏زكاة الفطر من إدارة الجمعية قبل صلاة العيد وتخزن بأحد المستودعات ومن ثم يتم توزيعها شهريا ‏على ‏المستفيدين بإشراف هذا الوكيل مما يضمن وصولها إليهم وعدم التصرف بها بشكل لا ‏مسؤول كبيعها ‏بأسعار زهيدة ، مع قيام إدارة الجمعية ليلة العيد بصرف كمية محددة من هذه ‏الزكاة مباشرة لهؤلاء ‏المستفيدين تفي بحاجتهم أيام العيد لحين إعطاءهم حصتهم من بقية الزكاة في ‏أوقات لاحقة.  ‏

‏     إن مثل هذه الآلية أو غيرها من الآليات التي من شأنها تنظيم هذه العملية ، واستثمار هذه ‏الثروة ‏المهدرة كفيل بتخفيف العبء على ميزانية هذه الجمعيات، وتوجيه هذه الميزانيات نحو ‏مشاريع وبرامج ‏أخرى تساهم في دعم هذه الشريحة من الفقراء والمحتاجين.‏

فائدة:‏

عدد سكان المملكة حسب إحصائية 1425هـ 22.673.538 نسمة، منهم ‏‏16.529.302سعوديون، ‏إذا افترضنا فقط أن هذا العدد من السعوديين سيخرج زكاة الفطر ‏والتي تمثل (3كغم) من الأرز بسعر ‏متوسطة عشرة ريالات فإن ذلك يعني أننا سننفق ‏‏1.65.239.020 ريال في تلك الليلة، هذه الثروة ‏الكبيرة إذا لم تستثمر بشكل علمي ومدروس ‏فإنه سيتبعها أكثر من 100.000.000 ستصرفها الجمعيات ‏الخيرية من ميزانياتها لتأمين حاجة ‏الفقراء المسجلين بهذه الجمعيات من الأرز فقط.‏ ‏     نعم إنها ثروة مهدرة، فهل حان الوقت لتدارك الأمر واستثمارها ؟؟؟؟

اترك تعليقاً